يُعد صهريج المنارة بمدينة
مراكش من أعظم المنشآت المائية التاريخية في المغرب، ومن أبرز الشواهد على عبقرية
المهندسين المغاربة في العصر الإسلامي في تدبير الموارد المائية واستغلالها لخدمة
الزراعة والمدينة. ولا يقتصر دوره على كونه خزانًا للمياه، بل يمثل معلمة حضارية
وتاريخية ارتبطت بتاريخ مراكش منذ ما يقارب تسعة قرون، ولا يزال إلى اليوم أحد
أشهر الرموز العمرانية والسياحية للمملكة المغربية.
يرجع تاريخ إنشاء صهريج المنارة إلى سنة
1157م خلال عهد الدولة الموحدية، بأمر من الخليفة الموحدي عبد
المؤمن بن علي الكومي، مؤسس الدولة الموحدية وأحد أعظم حكام المغرب الإسلامي.
وقد جاء إنشاء الصهريج ضمن مشروع عمراني وزراعي ضخم هدف إلى توسيع البساتين
المحيطة بمدينة مراكش وتوفير المياه اللازمة لريها، إضافة إلى تعزيز الأمن المائي
للعاصمة الموحدية التي كانت آنذاك من أكبر مدن العالم الإسلامي وأكثرها ازدهارًا.
وقبل بناء المنارة، كانت مراكش قد
عرفت اهتمامًا كبيرًا بالهندسة المائية منذ عهد الدولة المرابطية، حيث أنشئت شبكة
من الخطارات والقنوات الجوفية التي كانت تجلب المياه من سفوح جبال الأطلس
الكبير إلى المدينة. وعندما تولى الموحدون الحكم، عملوا على تطوير هذه الشبكات
وإقامة خزانات مائية ضخمة، وكان صهريج المنارة أهم هذه المنشآت، إذ أصبح القلب
النابض للنظام الزراعي غرب المدينة.صورة صهريج المنارة من عدستي عمار ياسين
ويتميز الصهريج بحجمه الكبير، فهو
عبارة عن حوض مائي مستطيل تبلغ أبعاده التقريبية نحو 200
متر طولًا و150 مترًا عرضًا، وتصل مساحته إلى حوالي ثلاثة
هكتارات. وقد صُمم ليستقبل المياه القادمة من جبال الأطلس عبر الخطارات والقنوات
التقليدية، ثم تُوزع المياه على بساتين الزيتون والأشجار المثمرة المحيطة به
بواسطة نظام دقيق يعتمد على الانحدار الطبيعي للأرض دون الحاجة إلى وسائل ضخ
حديثة، وهو ما يعكس التقدم الكبير الذي بلغته الهندسة الهيدروليكية في المغرب
الوسيط.
ولم يكن الهدف من الصهريج تخزين
المياه فقط، بل كان جزءًا من مشروع اقتصادي متكامل. فقد ساعد على ازدهار الزراعة
حول مراكش، وخاصة زراعة الزيتون، التي لا تزال تشكل جزءًا مهمًا من المشهد الطبيعي
لحدائق المنارة حتى اليوم. كما استُخدمت مياهه في ري الأشجار المثمرة والخضروات،
مما وفر موارد غذائية مستقرة لسكان المدينة وسلاطينها. وتشير بعض المصادر
التاريخية أيضًا إلى أن الحوض استُخدم لتدريب الجنود الموحدين على السباحة
استعدادًا للحملات العسكرية نحو الأندلس.
أما المبنى الشهير المطل على الصهريج،
المعروف باسم جناح المنارة، فهو ليس بنفس قِدم الصهريج. فقد تعاقبت عليه
عدة مراحل من البناء والترميم، بينما يرجع شكله الحالي إلى سنة 1869م في
عهد السلطان العلوي المولى محمد بن عبد الرحمن، الذي أعاد بناء الجناح
ليكون مقرًا للاستراحة والاستقبال الملكي، وليضفي على المكان طابعًا معماريًا يجمع
بين البساطة والأناقة المغربية التقليدية.
وقد أصبح هذا الجناح مع مرور الزمن
رمزًا لمدينة مراكش، خاصة عندما تنعكس صورته على صفحة مياه الصهريج الهادئة، وخلفه
قمم جبال الأطلس المكسوة بالثلوج في فصل الشتاء. ويُعد هذا المنظر من أكثر المشاهد
تصويرًا في المغرب، ويجذب آلاف المصورين والسياح سنويًا.
وتحمل تسمية "المنارة" دلالة لغوية مرتبطة بالمبنى المرتفع الذي كان يُرى من مسافات
بعيدة، فأصبح علامة يهتدي بها الناس وسط البساتين، رغم أنه لم يكن منارة بحرية
بالمعنى المعروف. ومع مرور الزمن انتقل الاسم ليشمل الصهريج والحدائق بأكملها.
ومن الناحية المعمارية، يمثل الصهريج
نموذجًا متقدمًا للهندسة المغربية في إدارة المياه. فقد بُني باستخدام تقنيات تضمن
مقاومة التسرب والمحافظة على المياه، كما روعي في تصميمه أن يكون عمقه مناسبًا
لتخزين كميات كبيرة من المياه مع الحد من تبخرها خلال أشهر الصيف الحارة. ويعكس
ذلك فهمًا عميقًا للظروف المناخية والبيئية التي تميز منطقة مراكش.
وعلى مر العصور، حافظت الدول التي
تعاقبت على حكم المغرب على أهمية المنارة. فقد اهتم بها المرينيون، ثم السعديون
الذين اتخذوا المنطقة متنزهًا ملكيًا، وبعدهم العلويون الذين قاموا بترميم
الجناح وتطوير الموقع، مما ساهم في استمرارية هذا الإرث التاريخي حتى العصر الحديث.
كما ارتبطت المنارة بالحياة
الاجتماعية لسكان مراكش، إذ كانت فضاءً للنزهة والاستجمام، ومكانًا يجتمع فيه
الأهالي خلال فصول الربيع والخريف. ولا تزال إلى اليوم من أكثر الأماكن التي
يقصدها سكان المدينة لممارسة الرياضة أو الاستمتاع بالطبيعة، إلى جانب استقبالها
أعدادًا كبيرة من الزوار من مختلف أنحاء العالم.صورة لصهريج المنارة من عدستي ياسين عمار
وقد اكتسبت حدائق المنارة، بما فيها
الصهريج، قيمة عالمية عندما أُدرجت ضمن المجال التاريخي لمدينة مراكش المصنف على
قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما تمثله من نموذج فريد يجمع بين العمارة
الإسلامية والهندسة المائية والمناظر الطبيعية التاريخية.
أما عن عمر صهريج المنارة، فإذا
اعتُمد تاريخ إنشائه سنة 1157م، فإنه يبلغ في سنة 2026 حوالي 869
عامًا، وهو ما يجعله من أقدم المنشآت المائية التي لا تزال قائمة
وتؤدي دورها التاريخي والجمالي حتى يومنا هذا.