| صورة من قصر الباهية مراكش |
| من داخل قصر الباهية بمراكش |
لا يعتمد على محور واحد مستقيم كما هو الحال في بعض القصور الأوروبية، بل يقوم على التدرج في الانتقال بين الفضاءات، وهو ما يمنح الزائر شعورًا بالاكتشاف المستمر. ويعكس هذا الأسلوب الفلسفة المعمارية المغربية التي تجعل الجمال يُكتشف تدريجيًا، وتربط بين الوظيفة والراحة والجمال في آن واحد. بعد وفاة باحماد سنة 1900، فقد القصر جزءًا من مكانته السياسية، إذ تعرضت بعض مقتنياته للنقل إلى قصور أخرى. ومع فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، استُخدم القصر مقرًا لإقامة المقيم العام الفرنسي في مراكش، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على أجزاء كبيرة منه وإجراء عمليات ترميم وصيانة دورية. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، أصبح قصر الباهية من أهم المعالم التاريخية الوطنية، وأُخضع لعدة برامج للترميم والمحافظة على مكوناته الأصلية، مع الحرص على احترام تقنيات البناء التقليدية والمواد التاريخية المستخدمة ي تشييده.
| الزليج الداخلي لقصر الباهية بمراكش |
واليوم يشرف قطاع الثقافة بالمغرب على صيانته واستقباله للزوار، ويُعد من أكثر المواقع التاريخية زيارة في مدينة مراكش. ولا تقتصر أهمية قصر الباهية على قيمته المعمارية، بل يمثل أيضًا وثيقة تاريخية تجسد طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في المغرب خلال أواخر القرن التاسع عشر. فمن خلال تخطيطه الداخلي، يمكن التعرف على تنظيم القصور السلطانية، وتقسيم فضاءات الاستقبال والإقامة والخدمة، إضافة إلى فهم مكانة الوزير باحماد ونفوذه الكبير في إدارة شؤون الدولة. كما يعكس القصر تفاعل العمارة المغربية مع التأثيرات الأندلسية والإسلامية دون أن يفقد شخصيته المحلية. فقد استطاع الحرفيون المغاربة أن يطوروا لغة فنية خاصة بهم، تقوم على الانسجام بين الزليج والجبس والخشب والرخام والماء والنبات، وهو ما جعل قصر الباهية يعد اليوم من أبرز نماذج العمارة المغربية التقليدية. ويظل اسم "الباهية" موضع اهتمام المؤرخين؛ فهناك من يرى أنه يشير إلى معنى **البهاء والجمال والإشراق**، بينما تذهب بعض الروايات إلى أنه ارتبط بإحدى زوجات باحماد المفضلات، إلا أن هذا الرأي لا يحظى بإجماع تاريخي قاطع، ولذلك يبقى التفسير المرتبط بجمال القصر هو الأكثر تداولًا في الدراسات العامة. وخلاصة القول، فإن قصر الباهية ليس مجرد مقر إقامة تاريخي، بل هو تحفة معمارية تختزل عبقرية الفن المغربي في أواخر القرن التاسع عشر. فقد جمع بين التخطيط الهندسي المتقن، وروعة الزخرفة، ودقة الصناعة التقليدية، ليصبح أحد أهم الرموز الحضارية لمدينة مراكش والمغرب عمومًا. وبعد أكثر من قرن ونصف على بداية تشييده، ما يزال القصر يحتفظ بسحره وأصالته، ويشكل شاهدًا حيًا على مهارة البنائين والحرفيين المغاربة، وعلى ازدهار العمارة الإسلامية المغربية التي ما زالت تبهر العالم بجمالها وإبداعها. <