ساحة جامع الفنا بمراكش التراث المسرحي والفني

 

ساحة جامع الفنا بمراكش التراث المسرحي والفني

تُعد ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش واحدة من أشهر الساحات التاريخية في العالم، وهي القلب النابض للمدينة العتيقة وأحد أهم الفضاءات الثقافية والتراثية في المغرب. لم تكتسب شهرتها من موقعها الجغرافي فقط، بل من الدور الحضاري والثقافي الذي لعبته عبر قرون طويلة، إذ كانت ولا تزال فضاءً مفتوحًا يجمع بين التجارة، والفنون الشعبية، والحكاية، والموسيقى، والمسرح، والفرجة، مما جعلها متحفًا حيًا للتراث اللامادي المغربي.

يرجع تاريخ تأسيس ساحة جامع الفنا إلى فترة تأسيس مدينة مراكش نفسها، أي إلى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، عندما أسس الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين مدينة مراكش سنة 1070م تقريبًا لتكون عاصمة لدولته. وقد اختير موقع الساحة بالقرب من المركز الإداري والديني والتجاري للمدينة، لتكون فضاءً عامًا يجتمع فيه السكان والتجار والمسافرون القادمون من مختلف مناطق المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء والأندلس.

 من تصويري ساحة جامع الفنا

ويرى عدد من المؤرخين أن اسم "جامع الفنا" ارتبط بجامع كبير كان من المزمع بناؤه في المكان لكنه لم يكتمل، بينما تذهب تفسيرات أخرى إلى أن كلمة "الفنا" تشير إلى الساحة المفتوحة أو إلى الفناء الواسع الذي كان يجتمع فيه الناس. ورغم اختلاف الآراء حول أصل التسمية، فإن المؤكد هو أن الساحة ارتبطت منذ نشأتها بالحياة اليومية لسكان مراكش، وأصبحت مركزًا للتبادل التجاري والثقافي والاجتماعي.

شهدت الساحة خلال العصر المرابطي حركة اقتصادية نشطة، حيث كانت القوافل التجارية القادمة من الصحراء الكبرى ومن مدن المغرب المختلفة تتوقف بها، حاملة معها الذهب والملح والتوابل والجلود والمنسوجات وغيرها من السلع. كما كانت مكانًا لتبادل الأخبار وعقد اللقاءات، الأمر الذي منحها أهمية استراتيجية داخل المدينة.

ومع انتقال الحكم إلى الدولة الموحدية في القرن الثاني عشر الميلادي، عرفت الساحة ازدهارًا أكبر، خاصة بعد تشييد معالم بارزة مثل مسجد الكتبية القريب منها. وأصبحت مركزًا يحتضن الاحتفالات الرسمية والمناسبات الدينية والأسواق الموسمية، فضلاً عن عروض الفنانين الشعبيين والحرفيين.

وخلال العهدين السعدي والعلوي، حافظت الساحة على مكانتها، بل توسعت وظائفها لتصبح فضاءً للترفيه الشعبي والثقافة الشفوية. فقد كانت تعج بالرواة الذين يلتف حولهم الجمهور في حلقات دائرية تُعرف محليًا باسم "الحلقة"، حيث تُروى القصص التاريخية والأساطير الشعبية والسير البطولية، مثل سيرة عنترة بن شداد وسيرة بني هلال وقصص ألف ليلة وليلة، إضافة إلى الحكايات المغربية المتوارثة.

وتتميز ساحة جامع الفنا بكونها مسرحًا مفتوحًا في الهواء الطلق، لا يحتاج إلى خشبة أو قاعة عرض، بل يعتمد على الحلقة التي يتجمع فيها الجمهور حول الفنان. وهذا الشكل من الأداء المسرحي الشعبي يعد من أقدم أشكال المسرح في المغرب، إذ يقوم على التفاعل المباشر بين الفنان والجمهور، ويمنح المتفرجين فرصة المشاركة والتعليق وإبداء الرأي، مما يجعل العرض حيًا ومتجددًا في كل مرة.

من عدستي صورة لجامع الفنا

وقد احتضنت الساحة على مر العصور فنانين من مختلف التخصصات، فمنهم الحكواتيون الذين يحفظون مئات القصص الشعبية، ومنهم الفكاهيون الذين يقدمون عروضًا كوميدية تعتمد على الارتجال، ومنهم الموسيقيون الذين يعزفون الأنغام المغربية التقليدية، إضافة إلى فرق كناوة، وأحواش، والعيطة، والموسيقى الأمازيغية، ومروضي الأفاعي، ولاعبي الخفة، وفناني السيرك الشعبي.

وتكمن أهمية جامع الفنا في كونها حافظت على الفنون الشفوية في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام الحديثة تهيمن على وسائل الترفيه. فقد ظلت الساحة مدرسة حقيقية لنقل الحكايات والأمثال والأشعار والأغاني من جيل إلى آخر دون الحاجة إلى التدوين، وهو ما جعلها أحد أهم رموز التراث الثقافي غير المادي في المغرب.

كما لعبت الساحة دورًا مهمًا في الحفاظ على اللهجة المراكشية والدارجة المغربية، إذ يعتمد الرواة والفنانون على اللغة الشعبية في التواصل مع الجمهور، مما ساهم في استمرار العديد من التعابير والأمثال والكلمات التراثية التي ربما كانت ستندثر لولا استمرار عروض الحلقة.

أما من الناحية الفنية، فقد شكلت جامع الفنا فضاءً لتكوين العديد من الفنانين الشعبيين الذين تعلموا أصول الأداء أمام الجمهور مباشرة. فالعديد من الموسيقيين والحكواتيين بدأوا مسيرتهم داخل حلقات الساحة قبل أن يحققوا شهرة وطنية ودولية.

ولم تقتصر شهرة الساحة على المغرب، بل أصبحت مقصدًا للباحثين في الأنثروبولوجيا والتراث الشعبي، وكذلك للمخرجين والكتاب والفنانين الذين وجدوا فيها مصدر إلهام غنيًا. وقد زارها عدد كبير من الأدباء والرحالة الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر، ووصفوا أجواءها الفريدة التي تجمع بين الأصوات والروائح والألوان والعروض الفنية في مشهد يصعب العثور على مثيل له في أماكن أخرى.

وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، حظيت الساحة باعتراف عالمي عندما أعلنتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 2001 إحدى أولى روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية، ثم أُدرجت لاحقًا ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. ويُعد هذا الاعتراف تأكيدًا على القيمة الحضارية العالمية للساحة، وعلى ضرورة الحفاظ على تقاليدها الفنية والثقافية.

وتتحول الساحة مع غروب الشمس إلى مشهد نابض بالحياة؛ إذ تتوافد فرق الموسيقى الشعبية، وتنتشر حلقات الحكواتيين، وتبدأ العروض الفنية التي تستقطب آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم. ويختلط صوت الطبول بالمزامير والأغاني الشعبية، فتتحول الساحة إلى مهرجان يومي مفتوح يعكس غنى الثقافة المغربية وتنوعها.

كما تمثل جامع الفنا عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد السياحي لمدينة مراكش، إذ يقصدها ملايين الزوار سنويًا للتعرف على التراث المغربي الأصيل، ومشاهدة العروض الفنية، وتذوق المأكولات التقليدية، واقتناء الصناعات الحرفية المحلية، وهو ما يوفر فرص عمل لآلاف الأشخاص من فنانين وحرفيين وتجار.

ورغم التغيرات التي شهدها العالم بفعل التكنولوجيا الحديثة، فإن ساحة جامع الفنا استطاعت الحفاظ على هويتها التاريخية بفضل جهود السلطات المحلية والجمعيات الثقافية والمهتمين بالتراث، الذين يعملون على حماية فن الحلقة وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمه وممارسته.

وفي الختام، تبقى ساحة جامع الفنا أكثر من مجرد فضاء عمومي أو مزار سياحي؛ فهي سجل حي لتاريخ مدينة مراكش، ومنبر للفنون الشعبية، ومدرسة للمسرح الشفهي، وملتقى للثقافات الإنسانية. فمنذ تأسيسها قبل ما يقارب ألف عام، وهي تؤدي دورًا محوريًا في حفظ الذاكرة الجماعية للمغاربة، وإحياء فنون الحكاية والموسيقى والتمثيل الشعبي، لتظل واحدة من أعظم الساحات التاريخية في العالم، ورمزًا خالدًا للهوية الثقافية المغربية.

تعليقات